حيدر حب الله
115
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
استنتجناها من مطلع الآيات ؟ ! ذهب جماعة إلى نجاتها ، وجماعة إلى هلاكها ، وجماعة توقفت في الأمر ، وجماعة قالت بأنها مسكوتٌ عنها ، لكن قد يكون الظاهر من تضاعيف القصّة هو اختصاص النجاة بالفرقة الواعظة ؛ إذ لا نجد من دون ذلك معنى لذكر حوار الفرقة الساكتة والناجية ، وإقحام الفرقة الساكتة في البَيْن ، ثم التصريح بأنّ الذين نجّاهم الله هم الناهون عن المنكر ، ولم يقل : إن الله نجّى المؤمنين . والعذاب لم ينزل - بحسب سياق هذه القصة في القرآن - لأجل كفر أهل القرية أو اعتدائهم على نبيّهم أو تكذيبهم الرسل ، كما كانت الحال في القرى الأخرى ؛ بل للعصيان ، وهذا ما يقرّب صورة نزول العذاب على الفرقة الساكتة لعصيانها أيضاً بترك النهي عن المنكر ، وربما الذي سبّب استبعاد شمول العذاب للفرقة الساكتة هو إيمانها ، مع أنّ العذاب هنا لم ينزل بملاحظة الإيمان والكفر والتصديق والتكذيب ، بل نزل بملاك ارتكاب المعاصي . وإهلاك المؤمنين بجريرة العاصين - مع سكوت المؤمنين - ليس بغريب عن الثقافة الدينية ، كما رأينا في بعض المرويات السابقة الضعيفة السند حول شعيب النبي ، بل وكما قال تعالى : ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً . . ) ( الأنفال : 25 ) ؛ فالأظهر شمول العذاب للفرقتين : الصائدة والساكتة ، ومنه يعلم أن شمول وصف الظلم الوارد في الآية للساكتين يعطي هو الآخر إشارة لخروجهم عن جادّة الحق ، فالنجاة من العذاب الذي هو الفلاح ، من آثار الأمر بالمعروف كما أسلفنا سابقاً وتساعد عليه الآيات القرآنية الأخر . وقد سعى ابن عاشور إلى تأكيد أنّ الساكتين كانوا ساكتين بملاحظة الحالة اللاحقة فقط ، وإلا فهم لم يعلموا بأنّه لا رجاء من القوم إلا لأنّهم مارسوا الوعظ لهم من قبل ؛ وبهذا يدخلون في الفرقة الناجية ؛ لنهيهم مسبقاً عن المنكر « 1 » .
--> ( 1 ) راجع : ابن عاشور ، التحرير والتنوير 8 : 331 - 332 .